ابن عطاء الله السكندري
14
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
وقال الشيخ ابن عجيبة : قال بعضهم : فمن فهم الإشارة فليصنها * وإلا سوف يقتل بالسنان كحلاج المحبة إذ تبدت * له شمس الحقيقة بالتداني وهو الذي أشار إليه الشيخ ابن الفارض سلطان العاشقين بقوله : ولا تك ممن طيشته طروسه * بحيث استقلت عقله واستقرت فثمّ وراء النقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمة تلقيته مني وعني أخذته * ونفسي كانت من عطائي ممدتي وقال البوصيري : قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم وشبّه مشايخ التصوف منكر علومهم بالعنين الذي ينكر شهوة الجماع ، وبالمزكوم الذي ينكر رائحة المسك الأذفر ، وبالمحموم الذي ينكر حلاوة السكر . علم الشريعة وعلم الحقيقة : وهذا العلم يعبر عنه أيضا بعلم الحقيقة في مقابلة علم الشريعة وبينهما علم الطريقة . قال الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني مبينا الفرق بين الشريعة والحقيقة : « أشكل على بعض الفضلاء قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النّحل : 32 ] مع قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » الحديث . والجواب هو أن نقول : إن الكتاب والسنّة وردا بين شريعة وحقيقة . أو نقول بين تشريع وتحقيق ، فقد يشرعان في موضع ويحققان في آخر في ذلك الشيء بعينه ، وقد يحققان في موضع ويشرعان فيه في آخر ، وقد يشرع القرآن في موضع وتحققه السنة ، وقد تشرع السنة في موضع ويحققه القرآن فالرسول عليه الصلاة والسلام مبين لما أنزل اللّه . قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النّحل : 44 ] . فقوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النّحل : 32 ] . هذا تشريع لأهل الحكمة وهم أهل الشريعة ، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » هذا تحقيق لأهل القدرة وهم أهل الحقيقة ، كما أنّ قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] تحقيق .